بدأت مصر تجربة الجامعات الخاصة بالقانون 101 لسنة 1992، الذي اعتبرها رافدًا للتعليم الحكومي لا بديلًا عنه، واشترط إنشاءها بقرار جمهوري وتوفير تخصصات يحتاج إليها المجتمع، مع ضوابط خاصة لكليات الطب. لكن التطبيق كشف تحديات، أبرزها تأخر المستشفيات الجامعية وزيادة أعداد الطلاب وارتفاع المصروفات.
وفي 2009 أُلغي القانون، وأُدمجت مواده في القانون 12 لسنة 2009 المنظم للجامعات الخاصة والأهلية، ثم صدرت لائحته التنفيذية عام 2010. وكان أثر هذه المرحلة المباشر هو توسيع الإطار التنظيمي، مع بقاء جودة التعليم الطبي مرتبطة بقدرة الكليات على توفير أعضاء هيئة التدريس والمعامل والتدريب السريري، لا بمجرد استيفاء شروط الإنشاء.
ثم فصل قانون 154 لسنة 2021 بين مجلسي الجامعات الخاصة والأهلية، بالتوازي مع فروع الجامعات الأجنبية الخاضعة للقانون 162 لسنة 2018. وقد أضاف ذلك تنوعًا في نماذج التعليم، لكنه جعل توحيد معايير إعداد الطبيب وترخيصه أكثر إلحاحًا، لأن اختلاف الجهة المالكة أو القانون المنظم لا ينبغي أن يؤدي إلى اختلاف مستوى الكفاءة المهنية.
وفي أغسطس الماضي، أثار قبول طلاب بكليات الطب التابعة لفرعي جامعتي كازان الفيدرالية وسان بطرسبرج الروسيتين بحد أدنى يبدأ من 50% جدلًا واسعًا. وطالبت نقابة الأطباء بالتحقق من قواعد القبول، مؤكدة ارتباطها بجودة التعليم الطبي. وأوضح وزير التعليم العالي الدكتور عبد العزيز قنصوة أن الفروع الأجنبية تتبع إطارًا قانونيًا خاصًا وقواعد قبول مرتبطة بالجامعة الأم، مشيرًا إلى أن الحدود الدنيا بلغت 94% في الجامعات الحكومية، و85% في الأهلية، و81% في الخاصة، مع التأكيد على معايير تضمن المستوى العلمي المطلوب، خصوصًا في الطب.
لكن القضية لا تتعلق برقم القبول وحده. فالطبيب يحتاج إلى تعليم متكامل يبدأ باختيار مناسب للطلاب، ومناهج وأعضاء هيئة تدريس ومعامل مؤهلة، وينتهي بتدريب إكلينيكي كافٍ داخل مستشفيات معتمدة. لذلك حذرت النقابة من زيادة الأعداد دون توسع مماثل في إمكانات التدريب وأعضاء هيئة التدريس.
وقد يكون للجامعة الأجنبية نظام قبول خاص، لكن اختلاف الإطار القانوني لا يعفيها من المعيار المهني المطلوب لممارسة الطب في مصر. فكل خريج سيعالج المريض المصري ويعمل داخل النظام الصحي المصري، ومن ثم يجب أن يخضع لمتطلبات كفاءة موحدة.
المطلوب هو معيار وطني واحد يشمل الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية والفروع الأجنبية، ويربط اعتماد برامج الطب باعتماد مؤسسي وتجديد دوري معلن، وبقدرة فعلية على توفير مستشفى جامعي أو شبكة مستشفيات معتمدة. كما ينبغي تحديد أعداد الطلاب وفق نسب واضحة بين الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، والطاقة الاستيعابية للمعامل، وعدد الأسرة وحالات التدريب، مع وقف القبول عند غياب هذه الشروط.
ولا يكفي مجموع الثانوية العامة معيارًا للقبول؛ بل ينبغي أن يصاحبه اختبار وطني موحد يقيس الاستعداد العلمي والمهارات الأساسية. كما يجب توثيق التدريب الإكلينيكي في سجل وطني يثبت الساعات والحالات والمهارات، مع تقييم مستقل، ثم اشتراط اجتياز امتحان مهني وطني موحد للحصول على ترخيص مزاولة المهنة، إلى جانب تدريب امتياز وتقييم دوري للكفاءة.
بهذه القواعد يمكن لكل جامعة الاحتفاظ بهويتها ونظامها الأكاديمي، من دون اختلاف في حماية المريض. فالاعتماد يضمن جودة المؤسسة، وضبط الأعداد يحمي فرص التعلم، والتدريب يثبت القدرة العملية، والامتحان المهني يضع معيارًا مشتركًا لكل المسارات.
القضية إذن ليست نوع الجامعة أو تنسيق القبول، بل وضع معيار واحد لمهنة لا يحتمل الخطأ فيها أن يكون مجرد خطأ في ورقة امتحان.